سيف الدين الآمدي

103

أبكار الأفكار في أصول الدين

وأما القول بأن وجه الأعجاز فيه الصرفة « 1 » فهو أيضا باطل من أربعة أوجه : الأول : أن إجماع المسلمين قبل وجود القائلين بهذه المقالة على أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه ، فالقول بأنّه لا إعجاز في القرآن ؛ بل الإعجاز في الصرفة ، يكون خرقا لإجماع المسلمين قبل وجود المخالفين . وأنتم لا تقولون به . فلئن قلتم : إجماع الأمة على كون القرآن معجزا : إنما كان باعتبار أنه يتعذر الإتيان بمثله ، وكون الصّرفة معجزة باعتبار أنّها على خلاف العادة ؛ فلا مناقضة بين كون القرآن معجزا ، وكون الصرفة معجزة بالتفسيرين المذكورين . ويكون الدّال على صدق الرسول الصرفة دون القرآن . فنقول : الإتيان بكلام القرآن : إما أن يكون معتادا ، أو غير معتاد ، فإن كان غير معتاد : فهو المعجز لا نفس الصرفة . وإن كان معتادا : فيمتنع تسميته معجزا ؛ بل المعجز ما هو خارق للعادة ؛ وهو الصرفة عن المعتاد .

--> ( 1 ) القول بالصرفة معناه أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها ، فكان هذا الصرف خارقا للعادة ، والصرف هو المعجز لا القرآن ، وأول من ابتدع هذا القول النظام قال الإمام الأشعري في مقالات الإسلاميين 1 / 225 . « قال النظام : الآية والأعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب ، فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن الله منعهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم » . وقال الإمام الشهرستاني : ( عن النظام ) التاسعة : قوله في إعجاز القرآن إنه من حيث : الإخبار عن الأمور الماضية والآتية ، ومن جهة الدواعي عن المعارضة ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا ، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما » . ( الملل والنحل 1 / 56 ، 57 ) . . ويقول الأديب مصطفى صادق الرافعي : « النظام هو الّذي بالغ في القول بالصرفة عرفت به وكان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام . . . والقول بالصرفة هو المذهب الفاشى من لدن قال به النظام يصوبه فيه قوم ، ويشايعه آخرون . . وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ سورة المدثر 74 / 24 وهذا زعم رده الله على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشئ الواحد » [ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية تأليف مصطفى صادق الرافعي الطبعة الثامنة سنة 1965 المكتبة التجارية الكبرى بمصر ص 162 - 164 بتصرف ] . وقد رد الآمدي على القول بالصرفة وأبطله بأربعة أوجه كما تصدى أهل السنة للرد على القائلين بالصرفة ، ولمزيد من البحث والدراسة بالإضافة إلى ما أورده الآمدي هاهنا . انظر : إعجاز القرآن للباقلاني ت : السيد أحمد صقر - دار المعارف بمصر سنة 1963 م خاصة ص 29 - 31 ونهاية الأقدام للشهرستاني ص 452 وما بعدها . وأصول الدين للبغدادي ص 183 ، 184 ، وشرح المواقف للجرجاني - الموقف السادس ص 98 - 108 . تحقيق ونشر الدكتور أحمد المهدى . وشرح المقاصد للتفتازانى 3 / 289 وما بعدها . ومن الكتب الحديثة : مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ج 2 ص 310 وما بعدها ط : دار إحياء الكتب العربية - عيسى الحلبي وشركاه .